فخر الدين الرازي
8
تفسير الرازي
عزاء ومن جرعة غيظ كظمها " وقال عليه السلام " ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب " . الصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( والعافين عن الناس ) * قال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون هذا راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا ، فنهى المؤمنون عن ذلك وندبوا إلى العفو عن المعسرين . قال تعالى : عقيب قصة الربا والتداين * ( وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم ) * ( البقرة : 280 ) ويحتمل أن يكون كما قال في الدية : * ( فمن عفى له من أخيه شيء ) * ( البقرة : 178 ) إلى قوله : * ( وأن تصدقوا خير لكم ) * ( البقرة : 280 ) ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال : " لأمثلن بهم " فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة ، فكان تركه فعل ذلك عفوا ، قال تعالى : في هذه القصة * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) * ( النحل : 126 ) قال صلى الله عليه وسلم : " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه " وروي عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه : ليس الاحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذلك مكافأة انما الاحسان أن تحسن إلى من أساء إليك . أما قوله تعالى : * ( والله يحب المحسنين ) * فاعلم أنه يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، وأن تكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء . واعلم أن الاحسان إلى الغير إما أن يكون بايصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه . أما إيصال النفع إليه فهو المراد بقوله : * ( الذين ينفقون في السراء والضراء ) * ويدخل فيه انفاق العلم ، وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين ، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة باساءة أخرى ، وهو المراد بكظم الغيظ ، وإما في الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة ، وهو المراد بقوله تعالى : * ( والعافين عن الناس ) * فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الاحسان إلى الغير ، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال : * ( والله يحب المحسنين ) * فان محبة الله للعبد أعم درجات الثواب . وقال تعالى * ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَا سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن